الأربعاء، 30 يناير، 2008

حكم تقدم المأمومين على الإمام عند الحاجة ـ فتوى


تقدم المأمومين على الإمام عند الحاجة
العنوان
لدينا مسجد تحت عمارة نخصص فيه الدور الأرضي للرجال، وخصص جزء من الدور الأول للنساء، وهذا الجزء يقع أعلى الجزء الأمامي من مصلى الرجال حيث يكون النساء إما فوق الرجال أو أمامهم، ولكن في مكان مغلق لا يراهم فيه أحد من الرجال، وعدا صلاة الجمعة يفضل الإمام الصلاة في صحن المسجد حيث الجزء المتسع ووجود الهواء أوفر والمكث أريح له وللمأمومين، فتكون النساء إلى الأمام (فوق) حتى من الإمام.
وعندما أنزلنا النساء خلف الرجال لم يكن الوضع مريحا للنساء ولا للرجال؛ لوجود حرج في ذلك لاشتراكهم في الباب وضيق المكان، ونريد أن نعرف هل الصلاة صحيحة بهذا الشكل، أم هناك مشكلة في ذلك.

السؤال
26/10/2005
التاريخ
مجموعة من الباحثين
المفتي
الحل
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،،
فيرى جمهور الفقهاء عدم جواز تقدم المأموم على الإمام على أية حال، ويجيز المالكية وإسحاق والليث، والشافعي في القديم وبعض الحنابلة، وابن تيمية، وحملت المالكية "الاقتداء" على الأفعال لا الموقف.
يقول الأستاذ وصفي عاشور أبو زيد باحث شرعي بكلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة
إن الأصل في موقف الإمام من المأمومين أن يتقدم الإمام ويكون المأمومون خلفه أو حذاءه؛ لما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك: "(إنما جعل الإمام ليؤتم به)، ولحديث جابر الطويل الذي رواه مسلم، ومما جاء فيه (...ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه. ثم جاء جبار بن صخر فتوضأ. ثم جاء فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدنا جميعا. فدفعنا حتى أقامنا خلفه). ولأنه أمر توقيفي في العبادة، وقد قال النبي ـ صلوات الله عليه ـ: "صلوا كما رأيتموني أصلي". رواه البخاري. وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء خلافا للمالكية وجماعة، حيث هناك حالة بعينها تحدثوا عنها تشبه الحالة المسئول عنها، وهي السفينة..
فعند الحنفية ـ كما قال الكاساني ـ أنه "من وقف على سطح السفينة يقتدي بالإمام في السفينة صح اقتداؤه إلا أن يكون أمام الإمام; لأن السفينة كالبيت، واقتداء الواقف على السطح بمن هو في البيت صحيح إذا لم يكن أمام الإمام". بدائع الصنائع: 1/110.
قال: ولو وقف على سطح المسجد واقتدى بالإمام: فإن كان وقوفه خلف الإمام أو بحذائه أجزأه؛ لما روي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه وقف على سطح واقتدى بالإمام وهو في جوفه; ولأن سطح المسجد تبع للمسجد، وحكم التبع حكم الأصل فكأنه في جوف المسجد، وهذا إذا كان لا يشتبه عليه حال إمامه، فإن كان يشتبه لا يجوز. البدائع: 1/146.
قال الكاساني: "ولأنه إذا تقدم الإمام يشتبه عليه حاله، أو يحتاج إلى النظر وراءه في كل وقت ليتابعه، فلا يمكنه المتابعة; ولأن المكان من لوازمه". البدائع: 1/145.
وعند الشافعية، قال الإمام الشافعي: لو وقف بعض المأمومين أمام الإمام يأتم به أجزأت الإمام ومن صلى إلى جنبه أو خلفه صلاتُهم، ولم يجز ذلك من وقف أمام الإمام صلاتُه؛ لأن السنة أن يكون الإمام أمام المأموم ، أو حذاءه لا خلفه وسواء قرب ذلك أو بعد من الإمام، إذا كان المأموم أمام الإمام. الأم: 1/197.
وشروط الاقتداء عند الشافعية سبعة: أولها: ألا يتقدم المأموم على الإمام في الموقف؛ لأنه لم ينقل عن أحد من المقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والخلفاء الراشدين ولخبر الصحيحين (إنما جعل الإمام ليؤتم به) والائتمام الاتباع ، والمتقدم غير تابع. أسنى المطالب: 1/221.
وقد أورد الإمام النووي أن في المذهب رأيين: واحدًا في القديم، والثاني في الجديد، فالجديد وهو الأظهر لا تنعقد، وإن كان في أثنائها بطلت، والقديم انعقادها، وإن كان في أثنائها لم تبطل. المجموع: 4/190-191.
ووافقت الحنابلةُ الحنفيةَ والشافعية لخبر الصحيحين؛ ولأنه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه، ولأن ذلك لم ينقل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا هو في معنى المنقول. فلم يصح، كما لو صلى في بيته بصلاة الإمام ويفارق من خلف الإمام فإنه لا يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه. المغني: 2/22-23.
إلا أن هناك رأيا عند الحنابلة يجيز التقدم على الإمام لعذر، قال البهوتي ـ من فقهائهم ـ: "وفي شدة خوف فلا يضر تقدم المأموم للعذر، ويصح الاقتداء إن أمكنت متابعة مأموم لإمامه فإن لم تمكن متابعته، لم يصح الاقتداء". دقائق أولي النهي: 1/279.
وذهبت الظاهرية إلى ما قال به الجمهور ـ ووافقهم فقهاء الشيعة ـ واستدلوا بحديث الصحيحين وحديث جابر، قال ابن حزم: "فوجب أن يكون الاثنان فصاعدا خلف الإمام ولا بد، ويكون الواحد عن يمين الإمام ولا بد; لأن دفْع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جابرا وجبارا إلى ما وراءه أمْرٌ منه عليه السلام بذلك لا يجوز تعديه". المحلى: 1/386.

أما المالكية والإمامان إسحاق والليث فقد أجازوا أن يتقدم المأمومون على الإمام لحاجة أو عذر معتبر كضيق في المسجد أو طبيعة معينة لمكان معين، والحاجة تنَزَّل منزلة الضرورة، والضرورات تبيح الحظورات، هذا إذا كان تقدم المأموم محظورا بإطلاق، وحملوا حديث الصحيحين على أن الاقتداء أو الائتمام يكون في الأفعال لا الموقف.
فقال الإمام مالك: إن تأخر المأموم ليس بشرط، ويجزئه إذا أمكنه متابعة الإمام.
ووجه قوله: أن الاقتداء يوجب المتابعة في الصلاة، والمكان ليس من الصلاة فلا يجب المتابعة فيه، ألا ترى أن الإمام يصلي عند الكعبة في مقام إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ والقوم صف حول البيت؟ ولا شك أن أكثرهم قبل الإمام.
وقالوا بأن التقدم بلا عذر يفيد الكراهة فقط، فإذا وجد العذر انتفت الكراهة، وهذه بعض نصوصهم:
قال الخرشي: "يصدق ـ يعني كراهة التقدم ـ بما إذا تقدم كل المأمومين وهو ظاهر ـ نقله المواق ـ ولا إثم. وعلة كراهة التقدم خوف أن يطرأ على الإمام ما لا يعلمونه مما يبطلها وقد يخطئون في ترتيب الركعات إذا تقدموه. واقتداء من بأسفل السفينة بمن بأعلاها. يعني أنه يكره لمن بأسفل السفينة أن يصلي خلف من يكون في أعلاها لعدم تمكنهم من مراعاة الإمام، وقد تدور فيختل عليهم أمر صلاتهم". شرح مختصر خليل: 2/29.
وقال العدوي: "وإن تقدم المأموم لعذر كضيق المسجد جاز من غير كراهة". حاشية العدوي: 1/307، وانظر: حاشية الدسوقي: 1331، وبلغة السالك: 1/441.
وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الرأي فقال: "أما صلاة المأموم قدام الإمام، ففيها ثلاثة أقوال للعلماء:
أحدها: إنها تصح مطلقاً، وإن قيل إنها تكره، وهذا القول هو المشهور من مذهب مالك، والقول القديم للشافعي.
والثاني: إنها لا تصح مطلقاً، كمذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبه.
والثالث: إنها تصح مع العذر، دون غيره، مثل ما إذا كان زحمة فلم يمكنه أن يصلي الجمعة أو الجنازة إلا قدام الإمام، فتكون صلاته قدام الإمام خيراً له من تركه للصلاة، وهذا قول طائفة من العلماء، وهو قول في مذهب أحمد ، وغيره، وهو أعدل الأقوال وأرجحها وذلك لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجباً من واجبات الصلاة في الجماعة، والواجبات كلها تسقط بالعذر. وإن كانت واجبة في أصل الصلاة، فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط، ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز عنه من القيام ، والقراءة، واللباس، والطهارة، وغير ذلك". الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام 2/360 .

يتحصل مما سبق أن المسألة خلافية، يعني فيها أكثر من رأي: رأيٌ يرى عدم الجواز وهم الحنفية، والشافعي في الجديد، وبعض الحنابلة، والظاهرية، وفقهاء الشيعة، ورأي يرى الجواز بلا كراهة مع وجود العذر، وهم المالكية وإسحاق والليث، والشافعي في القديم وبعض الحنابلة، وابن تيمية، وحملت المالكية "الاقتداء" على الأفعال لا الموقف.
وفي الحالة المسئول عنها إذا استطاع الإمام أن يتقدم ليصلي في القبلة ـ مقدمة المسجد ـ ونخرج من هذا الخلاف، فهو الأفضل، كما يفعل الإمام في يوم الجمعة، لأن الخروج من الخلاف مستحب، وإن كان فيه مشقة وحرج فلا بأس أن يسعه الرأي الآخر، وعلى جمهور المسلمين أن يلتزموا بأدب الخلاف، ويعذر بعضهم بعضا في مثل هذه المسائل حتى لا تختلف القلوب، ويتراشق الناس، والله الموفق وهو أعلم بالصواب.
والله أعلم

ليست هناك تعليقات: