الأربعاء، 23 يناير، 2008

الخلافات الزوجية.."الصبر نصف الإيمان" ـ استشارة إيمانية


زهرة - الأردن
الاسم
الخلافات الزوجية.."الصبر نصف الإيمان"
العنوان
الأخلاق
الموضوع
السلام عليكم
استفساري حول موضوع الصبر. أرجو أن تساعدوني على فهم بعض الأشياء التي تبدو لي مربكة، وخاصة عندما يضيق بي الحال بسبب بعض المشاكل مع زوجي، فأنا أعلم أنه واجب علي أن أصبر..

لكن الذي يحيرني هو هل الصبر هنا أم معناه أن يكون داخلي راض بالوضع، وأتظاهر به من الخارج حتى يرضى زوجي. لا أعلم إن كان سؤالي واضح أم لا؟... فغالباً لا أكون راضية، بل وأتألم من أعماقي.. فأين أنا من الصواب؟ .. أريد تحليلاً إيمانياً.
السؤال
فريق الاستشارات الإيمانية
المستشار
الرد
يقول
الأستاذ وصفي عاشور أبو زيد:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
الأخت الكريمة "زهرة" أهلا وسهلا بك على موقعك إسلام أون لاين وأسأل الله تعالى لنا ولك الصبر الجميل الدائم مع تمام الرضا.

وأود في البداية أن ألفت نظرك إلى أمر ثمين يعتبر أساسا من أسس الحياة الزوجية وقاعدة أصلية من قواعده التي تؤسس وتبنى عليها، وهي الحب والاحترام المتبادل بين الزوجين، فما دام الحب والود والرحمة بينهما فلن يكون هناك داع لخلاف أو شقاق يوجب الصبر، ويجعلك في حيرة يصعب عليك معها التفرقة بينه وبين الرضا كما تعانين الآن، فحاولي بكل ما أوتيت من حيل ولباقة أن تؤسسي لهذا الأساس وترسي هذه القاعدة في حياتك مع زوجك، وأولادك أيضا، وعندها لن يكون هناك أي معاناة تُعْقِب الشر والندم.

لكن النفس البشرية تقع في الخطأ بطبيعتها، والحياة الزوجية ليست وردية طول الوقت ولا نكدية طول الوقت أيضا، فهي ساعة وساعة، لكن متى غلب الحب والود والتراحم والتقدير والإشفاق كانت الحياة سعيدة طيبة تؤتي أكلها بين الزوجين وفي الأولاد كل حين بإذن ربها.

وهناك فرق كبير بين الصبر والرضا، فالصبر هو حبس النفس على ما يقتضيه الشرع والعقل، ولا يستلزم أن يكون الصابر راضيا، وهي حالة لا ينفك عنها مسلم أبدا في كل أوقاته وأحواله، ومع ذلك فقد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف عظيمة، وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً، وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر وجعلها ثمرة له فقال عز من قائل: "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا".

وقال تعالى: "وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا". وقال تعالى: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب". فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر، ولأجل كون الصوم من الصبر، وأنه نصف الصبر قال الله تعالى: "الصوم لي وأنا أجزي به". فأضافه إلى نفسه من بين سائر العبادات، ووعد الصابرين بأنه معهم فقال تعالى: "واصبروا إن الله مع الصابرين".

وعلق النصرة على الصبر فقال تعالى: "بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين". وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم فقال تعالى: "أولئك عليه صلوات من ربهم ورحمة أولئك هم المهتدون". فالهدى والرحمة والصلوات مجموعة للصابرين.

وعن علقمة قال: قال عبيد الله: "الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله". (رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح).

وقد وجد في رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: "عليك بالصبر واعلم أن الصبر صبران أحدهما أفضل من الآخر، الصبر في المصيبات حسن وأفضل منه الصبر عما حرم الله تعالى. واعلم أن الصبر ملاك الإيمان وذلك بأن التقوى أفضل البر والتقوى بالصبر".

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "ذروة الإيمان الصبر للحكم، والرضا بالقدر".
وقال أبو حامد الغزالي: "اعلم أن الصبر مقام من مقامات الدين ومنزل من منازل السالكين".
كل هذا الفضل وتلك الأوصاف تجعل المسلم يحب الصبر ويود أن يكون صابرا، وما أجدر هذه الأوصاف أن تحمل المؤمن على الصبر المصحوب بالرضا.

وأما الرضا فهو اطمئنان النفس إلى قدر الله وعدم التبرم به أو السخط عليه والضيق معه، ولا يقترن الصبر بالرضا إلا في قلب المؤمن المحب لله تعالى، فأما إن كان الحب فيه ضعيفا فيكون الرضا بقدر الحب.

ويثير أبو حامد الغزالي ـ رحمه الله ـ هنا تساؤلا مهما وتقريرا أيضا حينما قال: اعلم أن من قال: ليس فيما يخالف الهوى وأنواع البلاء إلا الصبر، فأما الرضا فلا يتصور؟ فإنما أُتِيَ من ناحية إنكار المحبة. فأما إذا ثبت تصور الحب لله تعالى واستغراق الهم به فلا يخفى أن الحب يُورِّث الرضا بأفعال الحبيب.

ويبين أبو حامد أن ذلك إنما يكون من وجهين:
أحدهما: أن يبطل الإحساس بالألم حتى يجري عليه المؤلم ولا يحس، وتصيبه جراحة ولا يدرك ألمها، ومثاله: الرجل المحارب فإنه في حال غضبه أو في حال خوفه قد تصيبه جراحة وهو لا يحس بألم ذلك لشغل قلبه. ذلك لأن القلب إذا صار مستغرقاً بأمر من الأمور مستوفى به لم يدرك ما عداه، فكذلك العاشق المستغرق الهم بمشاهدة معشوقه أو بحبه قد يصيبه ما كان يتألم به أو يغتم له لولا عشقه، ثم لا يدرك غمه وألمه لفرطه استيلاء الحب على قلبه. هذا إذا أصابه من غير حبيبه! فكيف إذا أصابه من حبيبه؟

وأما الوجه الثاني: فهو أن يحس به ويدرك ألمه ولكن يكون راضياً به بل راغباً فيه مريداً له - أعني بعقله- وإن كان كارهاً بطبعه، كالذي يلتمس من الفصاد الفصد والحجامة فإنه يدرك ألم ذلك إلا انه راضٍ به وراغب فيه ومتقلد من الفصاد به منة بفعله، فهذا حال الراضي بما يجري عليه من الألم.

وكذلك المسافر في طلب الربح يدرك مشقة السفر ولكن حبه لثمرة سفره طيَّبَ عنده مشقة السفر وجعله راضياً بها. ومهما أصابه بلية من الله تعالى وكان له يقين بأن ثوابه الذي ادخر له فوق ما فاته رضي به ورغب فيه وأحبه وشكر الله عليه.

هذا إن كان يلاحظ الثواب والإحسان الذي يجازى به عليه، ويجوز أن يغلب الحب بحيث يكون حظ المحب في مراد محبوبه ورضاه لا لمعنى آخر وراءه، فيكون مراد حبيبه ورضاه محبوباً عنده ومطلوباً، وكل ذلك موجود في المشاهدات في حب الخلق. انتهى كلام أبو حامد بتصرف رحمه الله تعالى.

وبهذا يا أختنا الكريمة تكونين قادرة على التفرقة بين الصبر مع عدم الرضا، والصبر مع تمام الرضا، فالصبر دون الرضا درجة من الدرجات، والصبر مع الرضا درجة أعلى منها، فكل الناس يستطيع أن يصبر، لكن قليلا منهم يصبرون مع تمام الرضا عن الله تعالى، أسأل الله أن يرخي عليكم الصبر والرضا، وأن يملأ بيتكم بالحب والرحمة والسكينة، وأن يعينك على التخلق بخلق الرضا، وتابعينا بأخبارك.

طالعي أيضاً :
سبع وسائل لاكتساب الصبر
أخي سيئ الخلق.. الصبر أو التربية بالمقاطعة
اصبر.. لعله يتوب من قريب

ليست هناك تعليقات: