الخميس، 17 يناير، 2008

حكم الترضي عن غير الصحابة


ألمانيا
الاسم
هل يجوز الترضي عن غير الصحابة ؟
العنوان
هل من المشروع أن يقول الإنسان عند ذِكْرِ صحابي أو واحد من الصالحين ـ رضي الله عنه؟
السؤال
09/06/2005
التاريخ
مجموعة من المفتين
المفتي
الحل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد فقد جرى عمل جماهير العلماء والفقهاء على جواز ذلك ، فيطلقون صيغة الترضي على غير الصحابة من سلف هذه الأمة، ومن ‏مشايخهم وأهل الخير والصلاح في كتبهم وخطبهم. ومن يقرأ في كتب التراث والكتب المحدثة أيضا لا تخطئه صيغة الترضي التي يطلقها العلماء والفقهاء بمعنى الدعاء على كثير من الأئمة والعلماء على رأسهم أئمة المذاهب الفقهية المتبوعة، ومشاهير السلف والمتصوفة والصالحين. يقول الأستاذ وصفي عاشور أبو زيد (باحث في العلوم الشرعية) فالترضي عن الصحابة أولا يقصد به معنيان: الأول: الإخبار عن أن الله رضي عنهم، وهذا لا شيء فيه؛ لأن الله تعالى قد أخبر في القرآن الكريم أنه رضي عنهم، قال تعالى: " وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ". التوبة: 100. والمعنى الثاني: الطلب من الله تعالى أن يرضى عنهم، فقولك: "‏رضي الله عنه" جملة خبرية تفيد الدعاء، كقولنا: "صلى الله على محمد" فهو في معنى: "اللهم صل على محمد"، وهذا من باب أولى لا شيء فيه للصحابة أيضا، بل على هذا المعنى يجوز الدعاء وطلب الرضى من الله لكل مسلم؛ وإن لم يكن ‏صحابياً، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء لقول الله سبحانه: "لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ". المجادلة: 22. وقوله سبحانه: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ‏الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ* جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا ‏الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ". البينة:7،8. وقد جرى عمل جماهير العلماء والفقهاء عليه، فيطلقون صيغة الترضي على غير الصحابة من سلف هذه الأمة، ومن ‏مشايخهم وأهل الخير والصلاح في كتبهم وخطبهم.‏ قال الحصكفي من فقهاء الحنفية: (ويستحب الترضي للصحابة، وكذا من اختلف في نبوته كذي القرنين ولقمان، ... والترحم للتابعين ومن بعدهم من العلماء والعباد وسائر الأخيار، وكذا يجوز عكسه: الترحم للصحابة والترضي للتابعين ومن بعدهم على الراجح ذكره القرماني، وقال الزيلعي: الأولى أن يدعو للصحابة بالرتضي، وللتابعين بالرحمة، ولمن بعدهم بالمغفرة والتجاوز). الدر المختار: 6/754. طبعة دار الفكر. بيروت. وقال النفراوي من المالكية عن جمع من العلماء: (إنه يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولا تختص الترضية بالصحابة، والترحم بغيرهم، خلافا لبعضهم). 2/360. طبعة دار الفكر. بيروت. وقال النووي من الشافعية: (يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والعباد وسائر الأخيار، فيقال: رضي الله عنه، أو رحمة الله عليه، أو رحمه الله، ونحو ذلك، وأما ما قاله بعض العلماء: إن قول: "رضي الله عنه" مخصوص بالصحابة، ويقال في غيرهم رحمه الله فقط فليس كما قال، ولا يوافق عليه، بل الصحيح الذي عليه الجمهور استحبابه، ودلائله أكثر من أن تحصر). المجموع: 6/156-157. طبعة دار الفكر. بيروت، وانظر: إعانة الطالبين للدمياطي: 4/343. طبعة دار الفكر. بيروت. ومن يقرأ في كتب التراث والكتب المحدثة أيضا لا تخطئه صيغة الترضي التي يطلقها العلماء والفقهاء بمعنى الدعاء على كثير من الأئمة والعلماء على رأسهم أئمة المذاهب الفقهية المتبوعة، ومشاهير السلف والمتصوفة والصالحين. أما إذا كان قول ‏الشخص: "رضي الله عن فلان" من باب الإخبار بالمعنى الأول، وليس من باب الدعاء فلا يجوز إطلاقه ‏إلا على الصحابة، لأنهم هم الذين أخبرنا الله أنه سبحانه رضي عنهم بأعيانهم، ولا يستطيع الإنسان أن يخبر بشيء لا يَعلم حقيقته إلا الله. ويقول فضيلة الشيخ عطية صقر : رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر: عبارة "رضي الله عن فلان" دعاء من الإنسان أن يرضى الله عنه فلان، فهي جُملة خبرية تفيد الإشارة بالدعاء، كأن الإنسان قال: اللهم ارض عن فلان، مثل قولنا: صلى الله على محمد يعني: اللهم صلي على محمد، أي ندعوك يارب أن ترحم محمدًا. جاء في كتاب "الأذكار" للنووي ص 121 : يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء العُبَّاد وسائر الأخيار فيُقال: ـ رضي الله عنه أو رحمه الله ونحو ذلك، وأما ما قاله بعض العلماء : إن قوله ـ رضي الله عنه ـ مخصوص بالصحابة ويُقال في غيرهم "رحمه الله" فقط فليس كما قال ولا يوافق عليه، بل الصحيح الذي عليه الجمهور استحبابه. ودلائله أكثر من أن تُحصر، فإن كان المذكور صحابيًا ابن صحابي قال: قال ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وكذا ابن عباس وابن الزبير وابن جعفر وأسامة بن زيد ونحوهم، لتشمله وأباه جميعًا. فإن قيل: إذا ذُكر لقمان ومريم هل يُصلَّى عَلَيهما كالأنبياء أم يُتَرضى كالصحابة والأولياء أم يقول: عليهما السلام : فالجواب أن الجماهير من العلماء على أنهما ليسا نبيين،وقد شذ من قال: نبيان. ولا التفات إليه ولا تعريج عليه، فإذا عُرِفَ ذلك فقد قال بعض العلماء كلامًا يُفهم منه أنه يقول : قال لقمان أو مريم صلَّى الله على الأنبياء وعليه ـ أو عليها ـ وسلَّم . قال: لأنهما يرتفعان عن حال من يُقال: رضي الله عنه، لما في القرآن مما يرفعهما. والذي أراه أن هذا لا بأس به، وأن الأرجح أن يُقال: رضي الله عنه، أو عنها؛ لأن هذا مرتبة غير الأنبياء، ولم يثبت كونهما نبيين، وقد نقل إمام الحرمين إجماع العلماء على أن مريم ليست نبية، ذكره في الإرشاد، ولو قال : عليه السلام أو عليها، فالظاهر أنه لا بأس به، والله أعلم، انتهى ما قاله النووي وفيه كفاية. والله أعلم.

ليست هناك تعليقات: