الاثنين، 28 يناير، 2008

أنا والنقاب.. عندما يصبح الالتزام عقابا ـ استشارة إيمانية


ناردين - فلسطين
الاسم
أنا والنقاب.. عندما يصبح الالتزام عقابا!
العنوان
العبادات
الموضوع
التزمت بالنقاب عن رغبة وحب شديدين. وكان الفضل في ذلك يعود لأنني أعد نفسي لرحلة أبدية. كما يعود إلى أنني أعلم أن الرابح الحقيقي في هذه الحياة هو الذي يفني شبابه في تقوى الله والالتزام بأوامره. كما أنني أريد أن يحفظني الله عندما أصبح عجوزا. وأنا مقتنعة بالنقاب تماما. ولكني واجهت معارضة كبيرة من أهلي.

مرت سنة على خير؛ وأنا فرحة جدا به. ولكن حدثت مشاكل ومضايقات كثيرة في تنقلاتي بحواجز فلسطين. حاول أهلي أن يقنعوني بخلع النقاب؛ ولكن اتفقت معهم أن أتخلى عن تغطية وجهي بالقرب من حاجز أو في حالة طلب جندي ذلك مني حفظا على سلامتي. ولكن بدأت اشعر بأنني لم أعد ملتزمة به. فأحيانا أتركه في تنقلاتي بين المدن؛ لرغبة أهلي وحتى لا أسبب لهم مشاكل في تنقلاتهم.

مرت سنة أخرى؛ ولم يتقدم ليّ أحد. وفي حالة تقدم شخص لي؛ فإن شرطه الأول أن أترك النقاب. وأما الآخرين فينتابهم الخوف من مجرد التقدم لي؛ باعتبار النقاب دليل على تشددي في الدين وأنا لست كذلك.

أجد نفسي يوميا في حلقة من السخرية سواء من عائلتي أو من الناس، ولكنني أتقبل الأمر برحابة. وأعتبره نوعا من الدعابة. وفي الجامعة؛ أجد الكثير من الأذى النفسي. لم أكن هكذا من قبل حساسة وضعيفة وأبالي كثيرا برأي من حولي.

ولكن لا أدري ما الذي حل بي ؟ إذ أجد نفسي في دوامة من الأسئلة :
هل ما أقوم به هو الأمر الصحيح ؟
هل من الحكمة أن أجعل النقاب محور مشكلتي ؟ وهل كان من الصائب أن أضيع 3 سنوات ثمينة من عمري في تغطية وجهي؟
وعلى فرض أني خلعته .. فما هو السبب لتركي له ؟ هل السبب هو البحث عن زوج مناسب ؟
كل من تحطن بي كاشفات لوجوههن؛ ولسن عاصيات بطبيعة الحال. ودائما أسمع : "تغطية الوجه ليست ملزمة". ولكني ارتديت النقاب ابتغاء وجه الله وطاعة لرسوله. فلماذا بدأت أشعر بهذا الضيق والغربة والوحدة في مجتمعي ؟
لماذا بدأت أشعر بالهم اليومي عند تغطية وجهي كل يوم، وخاصة عند توجهي للجامعة ؟.
لماذا يفترض الناس أن كل جميلة فقط عليها تغطية وجهها. علما بأني جميلة؛ ولكن قمت بالأمر حبا لله...

أفكاري لم تعد مرتبة أبدا. ولم أعد أُدرك ماذا أريد بالفعل!
أعطوني أي نصيحة أو أي كلمة لعلي استفيد..
السؤال
الرد
يقول الأستاذ وصفي عاشور أبو زيد، باحث شرعي بكلية دار العلوم جامعة القاهرة،وعضو فريق الاستشارات الإيمانية بمصر:
الأخت الكريمة/ ناردين
أهلا وسهلا بك على موقع إسلام أون لاين، ونحن إذ نرحب بك نقدر لك ثقتك في إخوانك بالموقع، ودعاؤنا لكم ـ في أرض الرباط ـ بالنصر المؤزر والتمكين المبين.

وبعد، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "بَدَأَ الإْسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ كمَا بَدَا". وروى الترمذي بسنده عن أنس رضي الله عنه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر".

وبالتالي فإن إحساس أي ملتزم بالغربة ليس أمرا مستغربا، بل هو الطبيعي، وهو الشعور الصحي أن يشعر المسلم بغربة في مجتمعه، تقتضي صبرا جميلا على أذى الناس، لكن لا تكون هذه الغربة سببا في اعتزاله لهم.

ومن سوءات واقعنا أن "تعميم الحكم" هو السائد لدى الكثيرين إلا من رحم الله، وأن للواقع كثيرا من الجنايات على المصطلحات، بمعنى أن التي ترتدي النقاب ثم تأتي فعلا شائنا على سبيل البشرية، أو الذي يطلق لحيته ويتكلم كلمة لا تليق بمثله؛ يعمم الناس حكمهم بالسوء على كل ملتحٍ وعلى كل منتقبة.

فتُتَّهم ذاتُ النقابِ بالسرقة والتخفي وراء النقاب؛ حتى يتسنى لها أن ترتكب ما تشاء من مخالفات. ويُتَّهم ذو اللحية بالتجهم والتشدد والعبوس والخلق السيئ. ومن ثم يصير النقاب رمزا للتخفي من أجل ارتكاب المخالفات. وتصبح اللحية علامة على التشدد والتنطع.

مع أن الأصل خلاف هذا، والعيب ليس في النقاب أو اللحية؛ إنما العيب في الشخص نفسه. وكما تعلمين أن الإسلام حجة على الأشخاص وليس سلوك الأشخاص حجة على الإسلام، فعلى جمهور الناس ألا يعمموا الحكم بهذا الشكل. وعلى من التزم بهذه الشعائر أن يكون على مستواها من جميع النواحي قدر المستطاع.

أختي الفاضلة :
أريد أن أحيي فيك حبك للالتزام، وحبك لله، وحرصك على أن تلقين الله وهو عنك راضٍ، خاصة وأنت في هذه السن، وقد روى الإمام أحمد في المسند والطبراني في الكبير وحسنه السيوطي عن عقبة بن عامر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إن الله تعالى ليعجب من الشاب ليست له صبوة".

ولكنني أريد أن أوضح لك بعض القواعد الشرعية التي توضح لك الأمر وتجعلك في راحة من الفكر، وثقة في النفس، وإقدام بحب على الناس والحياة :
أولا: أنت ذكرت ضمن كلامك قول من قال إن ارتداء النقاب غير ملزم عندما قلت: "ودائما أسمع كلمة أن تغطية الوجه ليست ملزمة". وهذا كلام صحيح، وهو مذهب جمهور الفقهاء قديما وحديثا. ويمكنك في ذلك مطالعة الفتاوى التالية:
النقاب والتدرج في التشريع.
هل النقاب واجب؟
حكم النقاب

ثانيا: أن طاعة الوالدين فريضة محكمة ومعارضتهما حرام قطعا؛ لما تعلمينه من النصوص الواردة في القرآن والسنة؛ التي تدل على هذا الأمر دون أدنى شك إلا إذا أمرا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وأنت لو وازنت بين ارتداء النقاب وطاعة الوالدين لوجدت أن كفة الوالدين هي الراجحة بلا تردد، وبناء عليه فليس لك وجه حق فيما جاء في رسالتك من قولك : "لقيت معارضة كبيرة من أهلي بداية ولكن قررت، أن أقوم بالأمر رغما عنهم لقناعتي بأنه مريح لي". فليس كل أمر يشعر المسلم أنه مستريح له يقوم بفعله دون نظر في العواقب والمآلات، ودون موازنة بين مراتب الأعمال، أو اعتبار فقه النِّسَب بينها.

ثالثا: لماذا تضيقين سعة أبواب الخير والأجر والثواب، وتعتبرين أن النقاب هو الطريق الوحيدة الموصلة للجنة، فليس يلزم من ارتدائك له أن الله سيحفظك وأنت عجوز، صحيح أن طاعة الله وحبه والحرص على رضاه كل ذلك يحفظ المسلم في الكبر ويحفظ عليه إيمانه وشباب قلبه.

لكن لماذا نحصر الخير كله والطاعة كلها في ارتداء النقاب بهذا الشكل مع أن أبواب الخير كثيرة، وطرق الطاعات متعددة، وأبواب الوصول إلى الله ليس لها عد ولا حد، ويكفيك أن تقرئي ما ورد في كتاب "رياض الصالحين" للإمام النووي من فضائل الأعمال ومكارم الأخلاق.

رابعا: لابد من مراعاة المكان الذي تحيون فيه وتقدير ظروفه؛ لأن اعتبار المكان له أثر في تغير الحكم الشرعي. وإذا كانت الضرورات ـ وما أكثر ما تلاقونه عندكم ـ تبيح المحظورات، فأين سنية النقاب ـ إذا قلنا بسنيته ـ مما تلاقينه من عنت وتبجح من عدو لا يخشى خالقا ولا يرحم مخلوقا؟!.

خامسا: أريد منك ـ أختي الكريمة ـ ألا تجعلي لكلام الناس اعتبارا ـ أي اعتبار ـ ما دمت تقومين بطاعة لله، وألا يؤثر ذلك على نفسيتك أبدا؛ لأن المؤمن لا ينظر إلى الأرض بل إلى السماء، ولا يكترث برضا الناس، بل يحرص على رضا الله تعالى، وألا يغير نفسيتك ذم الذامين أو مدح المادحين: "إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي".

سادسا: أمر الزواج ليس لتأخره علاقة بارتدائك للنقاب، فكم من منقبة تزوجت وهي صغيرة السن، وكم من متبرجة متبذلة بلغت من العمر سن العنوسة ولم يتقدم لخطبتها أحد، فالأمر رزق من الله، وقدر من أقداره، ولن يؤخر الله قدره إذا جاء، وكل شيء عنده بمقدار، فلا تقلقي من هذه الناحية وكوني على ثقة من مقادير الله ومشيئته.

فأقدمي على الحياة بثقة في الله وقدره، ولابد من اعتبار الواقع الذي نحياه والاستجابة له دون مخالفة أصل من الأصول أو مقصد من المقاصد الكبرى لشريعة الإسلام، ودعي القلق والتوتر والحيرة جانبا، وتفاءلي خيرا، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يحب الفأل الحسن.

نسأل الله أن ييسر لك أمرك، وأن يفتح لك أبواب الخير، وأن يرزقك الثبات على الحق، والنزول إلى الحق، وأن يصرف عنك شياطين الإنس والجن، إنه سبحانه على كل شيء قدير .. وتابعينا بأخبارك...

ليست هناك تعليقات: